المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم
المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم
- تبنى مشروعات جمع وتوثيق ونشر وإصدار التراث الثقافى . - تنظيم المؤتمرات والمعارض والدورات وتبادل الخبرات . - إنشاء اتحاد المترجمين الروس العرب . - تبنى مشروعات ترجمة ونشر الكتب والمجلات العلمية والثقافية وإصدارها . - تعليم اللغة العربية والروسية وإدارة المشروعات التعليمية مع الهيئات والجامعات والمؤسسات ذات الصلة بالبلدين . - إدارة وتشغيل المشروعات التعليمية والأكاديمية والفنية من خلال التعاون مع الهيئات والمؤسسات . - تتبنى المؤسسة مشروعات لجمع التراث العربى بالمكتبات والجامعات الروسية . - تم ترجمة 200 كتاب روسي عربى فى مختلف المجالات المعروفة .
المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم

الأخبار

"حكاية مملة" لسان تشيخوف الناطق

كتب: محمد هشام

هلا سألت نفسك يوماً: ماذا أخذت من هذه الحياة؟! ومن منا لا يبحث عن الأفكار العامة التي ينسج عليها خيوط حياته؟! هل سألت نفسك ما هي الأهداف التي تعيش من أجلها؟! هلا خاطرت وواجهت نفسك بالسؤال الذي يهرب منه الجميع: هل هزمتك الحياة أم قمت –أنت- بهزيمتها؟!

فكثيرون من يبحثون عن معنى لحياتهم .. رسالة يعيشون من أجله .. يسألون ويتساءلون هل أضافوا للحياة؟! أم هم زائدون عن حاجتها؟! وبالطبع هم في حيرة وشتات! إلا أنه من المعروف فلسفياً أن مثل التساؤلات مُغرٍ في بادئ الأمر .. وطرحها جذاب إلا أنه لا طائل من ورائها ..  وكثيرون -مثل ابطال الأدب الوجوديين وشخوص مسرح العبث واللامعقول- عرفوا أن الحياة مسرحية -وكما يقولون هي تراجيدية لمن يفكر بها وكوميدية لمن لا يفكر فيها- فكل منا يؤدي دوره بهذه الحياة دون أن يدري ما فائدة هذا الدور؟! ومن أسنده له؟! وهناك كثيرون من رفعوا سلاح العصيان في وجهها؛ معلنين تحديهم لها؛ رغبةً في هزيمتها .. وهم الذين يبحثون عن جدوى دورهم بالحياة .. يتساءلون دوماً هل دورهم بها محوري أم ثانوي؟ّ! هل ما يقومون به واجبات أم أعباء؟! هل هم من يحركون الأحداث؟ هل يؤثرون في حياة الآخرين؟! أم هم كومبارساً وأفعالهم لا تجدي شروي نقير؟!

وأشهر من قام بهذا الدور، وقام بطرح هذه الأسئلة هو الدكتور نيكولاي ستيبانفتش بطل رواية "حكاية ملل" لإمبراطور القصة القصيرة الروسية أنطون بافلوفيتش تشيخوف. ومن منا لا يعرف أنطون تشيخوف الأديب الروسي العظيم؟!

ولد تشيخوف في عام 1860 وتوفي عام 1904. وهو أشهر من كتب القصة القصيرة في العالم، من قلائل الأدباء الذي زاول مهنة الطب وجمع بينها وبين الأدب؛ ولذلك نرى شخصية الدكتور تشيخوف مؤثرة بدرجة كبيرة في شخصية الكاتب تشيخوف وهو ما ظهر جلياً في العديد من رواياته وخاصة في هذه الرواية أو القصة الطويلة "قصة ملل" أو "حكاية ملل".

وقد عرف الإبداع الأدبي التشيخوفي ثلاث مراحل: الأولي من 1880:1889 وغلب علي هذه المرحلة كتابة القصص القصيرة الساخرة، وكانت هذه المرحلة بمثابة تقديم تشيخوف لأوراق اعتماده لدى الجمهور الروسي خاصة والعالم بوجه عام، والمرحلة الثانية من عام 1888 : 1899 وكتب بها تشيخوف العديد من الأعمال منها العمل الذي نتناوله "قصة ملل" (1889)، أما الفترة الثالثة فقد غلب عليها الطابع الدرامي والمسرحي، وبدأت في عام 1898 واستمرت حتى وفاته في عام 1904.

ويُعد نموذج "نيكولاي ستيبانفتش" بطل رواية "حكاية مملة" من أشهر النماذج المعروفة لدى كل المشتغلين والمهتمين بالأدب الروسي، بالإضافة إلي المواطن الروسي الذي يعرفه عن ظهر قلب .. ومن منا لا يحمل بداخله الدكتور نيكولاي ستيبانفتش كما سنعرفه بعد قليل؟!

وقصة "حكاية ملل" تدور حول شخصيتين رئيستين: د. نيكولاي ستيبانفتش وكاتيا، وكاتيا فتاة قد مات أبويها، وكان أبوها زميلاً لنيكولاي، وبعد موت والديها قام نيكولاي باحتضانها وأحبها حباً لم يحبه لابنته ليزا، وكانت كاتيا تحبه أيضاً رغم عدم حب زوجته وابنته لها، وكانت تعده معلمها الأكبر ومصدر ثقافتها ومعرفتها في الحياة. وكانت كاتيا دائماً ما تشعر وأن حياتها بلا هدف، وكانت أيضاً مولعة بالمسرح، ودائما لديها رغبة شديدة في خدمة الفن والوصول إلي المجد، إلا أنها فشلت في المسرح بعد أن تأزمت مما رأته من رفقائها الذين لم يحترموا قواعد المسرح، بل لم يحترموا الجمهور المُشاهِد، فأصبحت حياتها مأزومة وحزينة، وكانت دوماً تسأل نيكولاي عما يجب أن تفعله وعن الهدف من هذه الحياة! وكان أستاذها دوماً عاجز عن الإجابة، وعندما يجيب فإن إجابته لا تشفي غليل كاتيا، ولم تؤت بما تريده. وفي إحدي المرات سألته نفس السؤال في الصباح ولكنه أجابها: يا كاتيا يا روحي أنا لا أعرف، ودعينا نتناول إفطارنا! وأبت كاتيا أن تستمر بهذه الحياة المملة إلي جواره؛ فقالت له: وداعاً، وغادرته للأبد!

بطل العمل نيكولاي ستيبانفتش أستاذ بالجامعة يُدَرِس الطب، واسمه معروف لكل من يعيش بروسيا، وكان الدكتور نيكولاي لا يرى شيئاً في حياته أبعد من الطب، وكان لا يثق بشيء ولا بأحد إلا في مستحضراته الطبية، كان يقاسي الحياة ويعاني الوحدة رغم كثرة المحيطين به، وهنا نرى تعريفا تشيخوفيا شائعا لمفاهيم "الوحدة والاغتراب"؛ فأصعب أنواع الوحدة هي أن يكون الإنسان محاطاً بالآخرين وأن يكون حبيسهم في نفس الوقت، ولذلك كانت العلاقات الإنسانية والاجتماعية بالنسبة للدكتور نيكولاي علاقات سطحية وشكلية، فمن خلال تتبعنا للخيط الموضوعي لشخصية البطل ستيبانفتش، وجدنا أنه اتخذ العلاقات الإنسانية – الأسرية والاجتماعية – وكافة أطر الارتباط بالآخرين ستاراً ليتخفى وراءها من نفسه، وكمحاولة ليحتجب عن ذاته ذات الفضل .. ليهرب منه إليها؛ وفي نفس الوقت لتحميه من الاصطدام المباشر مع الآخرين والحياة وحقيقتها. وقد كانت زوجته فاريا وابنته ليزا و "كاتيا" ابنة رفيقه "أكوليست" ما هم إلا مسافات بينه وبين أعماقه ..بينه وبين نفسه .. ليشغلونه عن مغبة التفكير في حقيقة الحياة وماهيتها. ولكنه لا يعلم أنه يدور في دائرة مغلقة .. ويصل في النهاية إلى النقطة التي يبحث عنها .. نقطة اللاشيء .. نقطة العدم والحقيقة في نفس الوقت؛ وهي أن الحياة والآخرين لاشئ..

وكان الشاغل الأكبر لدى البروفيسور نيكولاي هو البحث عن الأهداف العامة لهذه الحياة، عن الأفكار العامة التي يجب أن يؤمن بها الإنسان؛ ولذلك كانت حياته في عناء مستمر ومتواصل مع نفسه ومع الأخرين؛ فرأي أن علاقة الإنسان بنفسه عذاب، وعلاقته بالآخرين أكبر عذاب .. ومن منا لا يعذبه الآخرون؟! وقد عبر عن ذلك المعنى الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر: "الجحيم هم الأخرون" ولذلك رغم ما وصل إليه الدكتور نيكولاي ستيبانفتش من مجد وشهرة إلا أنه رأى أنه عاش مهزوماً وسيموت مهزوماً؛ فهو لم يصل لشئ، ولذلك كان يفكر باستمرار في شطب حياته السابقة.

وكما ذكرنا أن الدكتور نيكولاي ستيبانفتش هو أهم المتحدثين الرسميين النائبين عن تشيخوف في أعماله، الناقم على الحياة والآخرين؛ فنيكالاي يعاني الوحدة وغياب الجو الأسري خاصةً والأُلفة الاجتماعية عامةً، وقد أثبت المبدع أنطون تشيخوف ذلك عبر شخوص روايته، وقد اتضح ذلك جلياً للقارئ لأول وهلة من خلال عنوان الرواية "حكاية مملة"؛ فالحياة -بالنسبه لتشيخوف وللبطل نيكولاي- نهايتها الهزيمة والملل، فرغم كثرة المحيطين بنيكولاي إلا أنه لا يشعر إلا بالوحدة والغربة والاغتراب واليأس والملل؛ حيث لا يخلو مشهد بالرواية إلا ونجد من يشارك الدكتور نيكالاي جلسته ويتجاذب معه أطراف الحديث كأصدقائه ورفقائه بالجامعة وطلابه وزوجته فاريا وابنته ليزا ورفقته كاتيا، إلا أنه فقد التواصل مع الآخرين؛ وما أصعب الحياة عندما يكون عنوانها وشعارها: "صعوبة التواصل مع الآخرين"، فيقول الأديب الروسي "سيرجي إلباتييفسكي" عن الأديب تشيخوف: كان يعيش العزلة. كان حوله في يالطا أهل وأصدقاء؛ لكنه كان يشعر أنه يعيش في عزلة. كان يفتقد حياة الأدب والثقافة المزدحمة بحفلاتها الوضاءة في العاصمة.

فرأى الدكتور نيكولاي حياته بلا هدف .. فلا توجد خطوط عامة يسير عليها .. ولا يوجد شئ واضح بحياته .. فكل شئ –بالنسبة له- قد شابهُ الغموض .. والكل حوله يتغير ويتلون كالأفاعي والحرباء.. ولذلك من الممكن أن نضم سطور الرواية لسطور تشيخوف الشخصية -المكتوبة بمذكراته- لتكون دفتراً تُدَوَن به كل ما عاناه تشيخوف. وكان نيكولاي لا يجد مفراً إلا إلي كاتيا؛ فكان يلجأ دوماً إليها؛ مشاركأً إياها إحساسها بعدم جدوى هذه الحياة .. ولذلك كان نيكولاي -في البداية- لا يتحدث مع كاتيا إلا في الترهات وفي سفاسف الأمور؛ ولكن هذه المناقشات التافهة والسطحية كانت تتطرق في النهاية إلي القضايا الحيوية والمحورية الفلسفية بهذه الحياة.

وكما نعلم أن أساس الأعمال الروائية والملحمية يعتمد على توسيع مساحة العلاقات بين أبطال العمل الأدبي، ولذلك رغم اقتصار الرواية -التي لا يزيد عدد صفحاتها عن الخمسين ورقة- على شكوى كلا البطلين من الحياة وما بها من ملل؛ إلا أننا وجدنا بالرواية العديد من العلاقات السطحية الزائدة .. كعلاقة نيكولاي برفقائه وتلاميذه بالجامعة، وعلاقته بجنيكر الذي أجبر أسرته على تغيير نظام حياته، بل وصل الأمر إلي تغيير نظام الطعام الذي يقدم على المائدة كل يوم إرضاءاً لجنيكر، ولكن الخيط الموضوعي لهذه العلاقات السطحية كان له بُعد أدبي أدخله تشيخوف كذي العادة بمهارة أدبية و حذاقة فنية لتفرز آراء نيكالاي بالأدب والعلم والمسرح والطب؛ ولذلك استخدمها تشيخوف لخدمة فكرة الرواية في عدم جدوى الحياة كما يرى نيكولاي، وفي نفس الوقت ليرى القارئ نموذج نيكولاي وهو يحمل بداخله أشخاص عديدة نتيجة لتشتته مصابا بشيزوفرينيا المواقف والبارانويا الاجتماعية والرغبة في الانسحاب أحيانا؛ ليُجبَر القارئ علي المشاركة في مناقشة هذه القضية عن طريق الحكم على البطل وعلي من يحيطون به.

ووقعت أحداث الرواية بمدينة "غريبة"، وفي فندق "غريب" كما عبر الكاتب، وهي إضاءة سيميولوجية –رمزية- استخدمها تشيخوف بذكاء لتضفي على أحداث الرواية بعداً مكانياً وزمانياً يتحول إلي صور ناطقة على لسان البطل ليشكو الغربة والاغتراب عن الحياة وعن الآخرين، وعلاوة علي ذلك فقد لاحظنا تكرار كلمة "غريب" في الرواية في أكثر من موضع؛ فيكاد لا نرى حواراً بين شخصيات الرواية إلا وبه هذه الكلمات -المشتقة من مادة "غَربَ"- لنرى ما يعانيه نيكولاي ويكابده ويقاسيه.

وقد وجدنا في هذه الرواية تشيخوف، وهو يخلع رداء "المناضل الثوري" الناقم علي السلطة، المارق علي نظام الحكم في روسيا ليخرج بروايته عن مفهوم الطبقية وقضايا الذل والتعسُف والعبودية التي طالما استحوذت علي كثيرٍ من أعماله الأدبية مثل"وفاة موظف"، "خاميليون"، "البدين والنحيف" .. إلخ ليتحدث عن مفاهيم مجردة فلسفية وأثرها في غياب الأهداف العامة للحياة وانهيار وتَهَدُم العلاقات الإنسانية- على الرغم من أننا نرى أن الأحداث السياسية بهذه الفترة ليست بمنأى عما أصاب المواطن الروسي من الملل والغربة عن نفسه والآخرين-وبالطبع المساحة المفرودة في مقالنا لا تتحمل إضافة أبعاد أخري نتحدث عنها- وهو نفس ما فعله الأديب الروسي ليف تالستوي -1828 : 1910- في روايته "موت إيفان إيليتش" ليبرهن على أن الحياة عندما تكون بلا أفكار عامة سيفتقر حينها الفرد إلى الوسائل التي تمكنه أن يتوافق مع ذاته والمحيطين.

وقد رأينا اقتراباً آخر بين بطل العمل نيكولاي ستيبانفتش وبين أنطون تشيخوف؛ فتشيخوف درس الطب علي يد الدكتور "جريجور أنطونافيتش زاخارين"، وأهم ميزة تعلمها تشييخف من الدراسة علي يد "زاخارين" الاعتراض علي الطرق التقليدية في علاج الأمراض المختلفة؛ ليعزز من الجانب الفردي لدى المريض وتحفيزه في التعامل شخصياً مع مرضه، ولذلك تعلم تشيخوف أن العلاج لابد وألا يقتصر فقط علي المرض، وإنما لابد أن يتطرق إلي الجوانب الشخصية والنزعات الفردية لدى المريض، وللظروف المحيطة به؛ ولذلك درس تشيخوف أعقد الظواهر في حياة الإنسان؛ فنجد ملامح للوصف التحليلي الفرويدي لشخصيات رواية "حكاية مملة" الذي قام بسرده لنا الدكتور نيكولاي بمباردة من الدكتور "تشيخوف".

ولذلك من الصعب قراءة رواية "حكاية ملل" على أنها عمل أدبي وفني فقط؛ بل إنها روشتة علاج ووصفة طبية يقدمها لنا الدكتور تشييخف لمن اعتاد التغول والتعمق بداخله؛ فالقصة الطويلة "حكاية ملل" هي صيحة ودعوة تشيخوفية لمن اعتادوا أن يأخذوا الحياة كما هي دون التفكير فيها! لمن هم زائدون عن حاجتها! لمن يريدون أن تُحاك لهم الحياة لتكون ثوباً علي مقاسهم! فإن لم يكن لدي الفرد أهدافه العامة وخطوطه التي يسير عليها سيلاقي مصير الدكتور نيكولاي ستيبانفتش في فقد التواصل مع الآخرين، وستكون بالطبع أحداث حياته كلها منفصلة عن بعضها البعض دون أن يجد الإنسان رسالة يعيش من أجلها أو طريقة ليتآلف مع الآخرين والمقربين.. وقد ذكر تشيخوف بمذكراته أنه في حياة الإنسان لا توجد صدفة أو أية حادثة بفعل الحظ ولكن فقط ما يحدث لنا هي أشياء استثنائية؛ ولذلك يجب إعمال العقل في التعامل معها "كلٌ على حدة"، ويدعونا تشيخوف إلى الانتباه لنصيحة الشاعر الألماني العظيم جوته التي سأله إياها أحد طلابه فقال له: "إذا أردت أن تجعل لحياتك معنى فاجعل للحياة معنى" وكما قال أمير الشعراء الروس ألكسندر بوشكين: "عليك أن تقدر بنفسك ماذا فعلت!!".

 

اضف تعليق